أصل اللقطات المفبركة وانتشارها
في نوفمبر 2023، انتشر مقطع فيديو مدته 14 ثانية بسرعة فائقة عبر منصات التواصل الاجتماعي، بما في ذلك تيليغرام وX وفيسبوك وإنستغرام، زاعماً أنه يُظهر لوحة إعلانات تجارية رقمية عند زاوية شارع 50 والجادة السابعة في مانهاتن. وادعت اللقطات ظهور شاشة إلكترونية مضيئة لشبكة ABC News تعرض شعار «قف مع أوكرانيا» إلى جانب العلم الأوكراني، ليتم إزاحته فجأة ويحل محله شعار «قف مع إسرائيل» والعلم الإسرائيلي. وزعمت التعليقات المصاحبة زوراً أن وسائل الإعلام الأمريكية تخلت علناً عن دعم أوكرانيا لإعطاء الأولوية لإسرائيل.
لم يصدر الفيديو عن نشرة إخبارية موثوقة أو توثيق لشهود عيان من موقع الحدث؛ بل ظهرت نسخه الأولى على قنوات تيليغرام ناطقة بالروسية قبل أن يُعاد نشره عبر حسابات واسعة الانتشار على منصات اجتماعية متعددة. وقدمت المنشورات المقطع كدليل على تحولات في التوجهات السياسية داخل مدينة نيويورك، في محاولة لإثارة التوتر بين مؤيدي أوكرانيا ومؤيدي إسرائيل.
تأكيدات مشغلي اللوحات الإعلانية والوسائل الإعلامية
أكدت التصريحات الصادرة عن مشغل لوحة الإعلانات والشبكة الإخبارية المشار إليها في الفيديو بشكل قاطع أن الإعلان وهمي تماماً. وتتولى شركة Clear Channel Outdoor إدارة الشاشة الإلكترونية متعددة الطبقات الواقعة أعلى 200 ويست ستريت 50 بالقرب من تايمز سكوير. وعقب الاستفسارات المتعلقة بالمقطع المنتشر، أكد المتحدثون باسم الشركة أنه لم تظهر مثل هذه الرسالة على الإطلاق على تلك اللوحة أو أي لوحة رقمية أخرى في شبكتهم الإعلانية.
وكذلك أكدت شبكة ABC News أنها لم تُنشئ، أو تشترِ، أو تبث على الإطلاق أي حملة إعلانية على اللوحات تستبدل الرسائل الداعمة لأوكرانيا بأخرى مؤيدة لإسرائيل. وقد رُكِّب شعار الشبكة رقمياً على الشاشة دون إذن لإضفاء مظهر مزيف من المصداقية الصحفية على هذا العمل الحوسبي المفبرك.
التحليل الجنائي الرقمي والأدلة الميدانية
كشف التحليل المستقل للمقطع عن العديد من المفارقات البصرية التي لا لبس فيها، والتي تُعد نموذجية لأعمال التركيب بالرسوميات الحاسوبية (CGI):
- عدم اتساق المساحة الإعلانية على اللوحة: تمثل اللوحة الفعلية عند شارع 50 والجادة السابعة شاشة عرض متكاملة متعددة الألواح ومحيطة بالواجهة، وتعرض محتوى تجارياً متزامناً عبر جميع طبقاتها. وفي الفيديو المُعدل، لا يظهر التصميم المفبرك إلا على الجزء العلوي من الهيكل، بينما تستمر الألواح السفلية في عرض الإعلان الفعلي المجدول لفيلم الرسوم المتحركة من إنتاج دريم ووركس Trolls Band Together.
- تعارض في المنظور وتوزيع الإضاءة: يفتقر النص المتحرك والأعلام إلى التشوه البصري الطبيعي والوهج والانعكاسات المحيطية التي تنتجها لوحات LED الحقيقية عند تصويرها من مستوى الشارع؛ إذ تتحرك الرسوميات فوق السطح بتسطيح رقمي لا يتناسب مع الزاوية المعمارية المنحنية لواجهة المبنى.
- التوثيق الميداني المتزامن: أثبتت الصور ومقاطع الفيديو المؤرخة زمنياً والمُلتقطة من مستوى الشارع عند التقاطع ذاته خلال تلك الفترة أن إعلان فيلم Trolls Band Together كان يُعرض دون انقطاع على كامل هيكل اللوحة، دون ظهور أي رسائل سياسية في أي وقت.
نمط التلاعب بلوحات الإعلانات في تايمز سكوير
تعكس هذه الواقعة أسلوباً متكرراً في التضليل الإعلامي يعتمد على التلاعب الرقمي بالمعالم الحضرية البارزة. فقد استهدف فنانو الخدع الرقمية وشبكات التضليل مراراً مساحات إعلانية عالية الظهور في تايمز سكوير، حيث يركبون شعارات ذات طابع سياسي على مقاطع فيديو جاهزة لخلق وهم بوجود تأييد رسمي. وشهدت سوابق مماثلة تعديل شاشات رقمية في مانهاتن لتصوير شعارات مناهضة لأوكرانيا أو السخرية من شخصيات عامة زيفاً.
ونظراً لشهرة تايمز سكوير العالمية كوجهة إعلانية رائدة، تُصمم هذه المقاطع المفبركة المنفذة فيها لتعظيم الانتشار الدولي واستغلال الثقة في المحتوى المرئي. وفي هذه الحالة، تثبت السجلات الموثقة من إدارة اللوحات الإعلانية والتحليل البصري أن البث كان مُختلقاً بالكامل ولم يكن له وجود على أرض الواقع.