أصول التضليل الإعلامي المتداول
في أعقاب الضربات الصاروخية الباليستية الإيرانية ضد إسرائيل، نشرت وسائل إعلام موالية للنظام وشبكات منسقة على منصات التواصل الاجتماعي مزاعم مثيرة تدعي أن مقذوفات إيرانية حققت إصابات مباشرة في مقر الكرياه، المجمع الدفاعي الإسرائيلي في قلب تل أبيب. وترافقت هذه المنشورات مع مقاطع فيديو درامية تُظهر ألسنة لهب شاهقة، وموجات انفجارية هائلة، ومبانٍ حكومية سُوّيت بالأرض، زاعمة أن وزارة الدفاع ومقر هيئة الأركان العامة لجيش الدفاع الإسرائيلي قد تم محوهما تماماً.
التحليل الجنائي الرقمي للفيديوهات المتداولة
أجرى خبراء مستقلون في التحقيق الجنائي الرقمي، وباحثون في استخبارات المصادر المفتوحة (OSINT)، وفرق التحقق في وكالات الأنباء تحليلاً منهجياً للتسجيلات المتداولة. وكشفت تحقيقاتهم أن هذه الوسائط كانت مجرد فبركات اصطناعية ومقاطع أرشيفية مكررة وليست توثيقاً حقيقياً للضربة:
- الذكاء الاصطناعي والصور التخليقية: احتوت العديد من مقاطع الفيديو واسعة المشاهدة على علامات مميزة لأخطاء الذكاء الاصطناعي التوليدي، بما في ذلك فيزياء غير طبيعية لحركة النيران، وتشوهات هندسية في أفق تل أبيب، وإضاءة غير متناسقة على الطرق المحيطة. وأكد مدققو حقائق مستقلون أن هذه المقاطع هي محاكاة حاسوبية صُممت لتقليد البث الإخباري العاجل.
- انفجارات أرشيفية معاد توظيفها: أعادت منشورات أخرى تداول لقطات درامية لحوادث صناعية سابقة وضربات عسكرية من صراعات أخرى. وتتبع البحث العكسي عن الصور المقاطع المتداولة ليعود أصلها إلى انفجار نترات الأمونيوم في مرفأ بيروت في أغسطس 2020، وانفجار مستودع تيانجين في الصين عام 2015، ومشاهد قتال مدني قديمة في سوريا وأوكرانيا.
- مواقع استهداف مضللة: في الحالات التي استُخدمت فيها مقاطع فيديو ليلية حقيقية لوسط إسرائيل، أظهرت اللقطات سقوط حطام صواريخ اعتراضية في مناطق مفتوحة أو إصابات طفيفة بشظايا على بعد أميال من الكرياه، ونسبتها الحسابات الدعائية زوراً على أنها ضربات مباشرة وكارثية لمقر القيادة العسكرية.
الأدلة الميدانية وعبر الأقمار الصناعية لسير العمليات الطبيعي
يقع مجمع الكرياه بين شارع كابلان وطريق بيغن في تل أبيب، ضمن منطقة حضرية كثيفة محاطة بأبراج مدنية ومراكز تجارية وشرايين نقل رئيسية. وأي هجوم بصاروخ باليستي قادر على تدمير هذا المجمع المحصن كان سيتسبب في دمار كارثي واسع النطاق في وسط تل أبيب، وهو حدث يستحيل إخفاؤه في مدينة كبرى تضم آلاف الصحفيين المقيمين وكاميرات الهواتف الذكية.
وأكدت التغطيات الميدانية لمراسلين دوليين، وتقييمات طوارئ البلديات، وصور الأقمار الصناعية التجارية عالية الدقة أن مجمع الكرياه لم يشهد أي انهيار هيكلي أو أضرار تعطل عملياته. وطوال فترة الهجمات الإيرانية وعقبها مباشرة، أجرى مسؤولو الدفاع الإسرائيليون تقييمات ميدانية وإحاطات صحفية متلفزة من داخل منشآت القيادة، مما أثبت أن عمليات القيادة والسيطرة ظلت تعمل بكامل طاقتها دون توقف.
الأهداف الاستراتيجية وراء الحرب النفسية والإعلامية
يؤدي تصنيع ونشر المزاعم الكاذبة بشأن تدمير مراكز القيادة الاستراتيجية الحيوية وظيفة واضحة في الدعاية الاستبدادية زمن الحرب؛ فمن خلال إنشاء صور تخليقية لضربات عسكرية حاسمة، تحاول الشبكات المدعومة من الدول إظهار القوة أمام الجماهير المحلية، والتعتيم على نسب الاعتراض العالية التي حققتها منظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية متعددة الطبقات (حيتس 2، وحيتس 3، ومقلاع داوود)، وشن حرب نفسية ضد المجتمع المدني.