صعّد النظام في طهران من لهجته العدائية يوم الأحد، محذراً من أن أي صدام عسكري مباشر ومتجدد مع الولايات المتحدة سيتجاوز مداه جولات القتال السابقة، وأن واشنطن لن تكون قادرة على تحديد مدة المواجهة أو توقيت إنهائها. وفي حديثه عبر التلفزيون الرسمي، صرح المتحدث العسكري باسم النظام، محمد أكرمينيا، بأن أي مواجهة مقبلة ستتحول إلى حرب استنزاف طويلة، في رد مباشر وتحدٍ لتصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي كان قد أشار إلى أن المواجهة العسكرية الراهنة قد تنتهي سريعاً. وجاءت تهديدات أكرمينيا لتسلط الضوء على رفض طهران المستمر لتفكيك منظومتها المزعزعة للاستقرار من الصواريخ الباليستية وبرامجها النووية، في وقت يشارك فيه ممثلوها الدبلوماسيون في محادثات غير مباشرة في قطر.
وكان الرئيس ترامب قد صرح بأن الصراع مع طهران سينتهي «قريباً جداً، بطريقة أو بأخرى»، مؤكداً أن النظام أمامه خياران: إما الرضوخ للشروط على طاولة المفاوضات أو مواجهة عمل عسكري حاسم. وأوضح ترامب أن القوات الأمريكية تمتلك القدرة والجاهزية لتحييد ما تبقى من المواقع النووية المحصنة لطهران في غضون دقائق معدودة، مؤكداً في الوقت نفسه إجراءه مباحثات موسعة بشأن هذه المواجهة مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. وفي غضون ذلك، يواصل وفد طهران لليوم الثالث محادثاته بوساطة مسؤولين قطريين في الدوحة. ومع ذلك، حذر دبلوماسيون عرب مجتمعون في منتدى «حوار المنامة» التابع للمعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية (IISS) في البحرين من وجود فجوة جوهرية في المواقف بين واشنطن وطهران، مما يبقي المنطقة بأسرها في حالة تأهب لموجة تصعيد عسكري جديدة.
تصعيد بحري وأعمال تخريب في مضيق هرمز
وفي منطقة الخليج العربي، كثف النظام حملته لمضايقة حركة الملاحة والتجارة البحرية الدولية؛ إذ أعلنت القوة البحرية التابعة للحرس الثوري الإيراني أن ناقلتي نفط تجاريتين تعرضتا لانفجارات إثر اصطدامهما بألغام بحرية أثناء إبحارهما فيما زعم النظام أنه «مسار غير مصرح به» عبر مضيق هرمز. ولأشهر عدة، سعى الحرس الثوري إلى فرض قيود ملاحية أحادية وغير قانونية في هذا الممر المائي الاستراتيجي، مهدداً السفن التجارية غير الممتثلة بالألغام البحرية والضربات الصاروخية والاحتجاز القسري المسلح، في مسعى متعمد لاستغلال ممرات الطاقة العالمية للابتزاز الجيوسياسي.
وقد تجلت المخاطر الجسيمة التي تتهدد الملاحة البحرية الإقليمية في إدانة رسمية أصدرتها دولة الإمارات العربية المتحدة عقب هجوم عدائي استهدف ناقلة الغاز الطبيعي المسال القطرية «المائدة» (Al Mayeda) في مياه الخليج. وحذرت وزارة الخارجية الإماراتية من أن استهداف السفن التجارية يمثل تهديداً بالغاً لسلامة الملاحة البحرية والاستقرار الإقليمي وإمدادات الطاقة العالمية. وأشار دبلوماسيون في «حوار المنامة» إلى تنامي القلق لدى العواصم الخليجية من التكتيكات البحرية والجوية غير المتكافئة التي تعتمدها طهران، والهادفة إلى إلحاق أضرار اقتصادية بالدول المجاورة عبر تعريض البنية التحتية المدنية الحيوية للخطر، بما في ذلك الموانئ وشبكات الكهرباء ومحطات تحلية المياه.
الالتفاف على العقوبات وعمليات تهريب «أسطول الظل» إلى الصين
وبالتوازي مع ممارسة ضغوط عسكرية غير متكافئة في المياه الإقليمية، يواصل النظام تشغيل شبكات لوجستية سرية مخصصة للالتفاف على العقوبات الدولية والحصار البحري الأمريكي. وفي هذا السياق، وثق تقرير استقصائي مفصل أصدرته منظمة «متحدون ضد إيران النووية» (UANI) يوم الأحد كيفية استخدام ناقلات صغيرة تابعة لـ«أسطول الظل» في تهريب منتظم لغاز البترول المسال (LPG) الخاضع للعقوبات من الموانئ الإيرانية نحو مشترين في الصين. وتتبع المحققون وصوروا سراً ناقلة «هاندمكس» الخاضعة للعقوبات SOGL (رقم المنظمة البحرية الدولية: 9208227)، والتي حمّلت نحو 500,000 برميل من غاز البترول المسال من ميناء عسلوية في أواخر أغسطس، قبل أن تتسلل متجاوزة دوريات التحالف البحرية المفروضة لتطبيق الحظر البحري.
وتجسد هذه العملية غير المشروعة أساليب التمويه والخداع البحري المعقدة التي يوظفها النظام لتمويل آليته العسكرية. فبعد مغادرتها إيران، أبحرت الناقلة SOGL آلاف الأميال وصولاً إلى منطقة المخطاف الشرقي الخارجي لموانئ ماليزيا (EOPL)، الواقعة على بعد حوالي 70 كيلومتراً قبالة السواحل الماليزية. ووثق المحققون تلقي السفينة لخدمات التزود بالوقود والخدمات اللوجستية في عرض البحر قبل استكمال رحلتها إلى الصين، حيث فرغت شحنتها في ميناء شينتشو. وتكشف سجلات العقوبات أن الناقلة SOGL أُدرجت على قائمة العقوبات من قِبل مكتب مراقبة الأصول الأجنبية (OFAC) التابع لوزارة الخزانة الأمريكية في أكتوبر الماضي لتسهيلها شحنات نفطية، بالاعتماد على شركات واجهة مثل «غرافين ماريتايم» (Gravion Maritime Co.) ورفع أعلام ملاءمة مزيفة لجزر القمر وزيمبابوي.
ووفقاً لمحللي تتبع حركة الملاحة البحرية، فإن ما لا يقل عن تسع ناقلات صغيرة محملة بالنفط أو غاز البترول المسال قد استغلت إيقاف أجهزة الإرسال والاستجابة، والتلاعب بنظام التعرف الآلي (AIS)، وإجراء عمليات نقل خطرة من سفينة إلى أخرى لخرق الحظر البحري منذ أن أعادت واشنطن تفعيل إجراءات الإنفاذ في الموانئ خلال يوليو. ورغم نجاح القوات البحرية الحليفة في اعتراض ومنع ناقلات الخام الإيرانية الضخمة، استوعبت الصين تقريباً كافة شحنات الهيدروكربونات المهربة للنظام بتخفيضات سعرية هائلة، مما شكل شريان حياة اقتصادي حيوي يتدفق مباشرة إلى الحرس الثوري.
عمليات الوكلاء في اليمن ولبنان
واصلت شبكة الأذرع الإقليمية التابعة لطهران أنشطتها على جبهات متعددة، مستمرة في استهداف التجمعات المدنية. ففي شبه الجزيرة العربية، أكد التحالف العسكري بقيادة السعودية اعتراض طائرة مسيرة هجومية وصاروخ باليستي أطلقتهما ميليشيا «أنصار الله» (الحوثيون) المدعومة من طهران باتجاه جنوب المملكة. وقد دفعت الهجمات المستمرة بالصواريخ والمسيرات الحوثية السلطات السعودية إلى تفعيل نظام التعليم عن بُعد في جميع أنحاء المملكة لحماية الطلاب. وفي اليمن، أفادت وسائل إعلام حوثية بأن غارات جوية للتحالف استهدفت مراكز اتصالات عسكرية قرب صعدة ومنشآت تابعة لميناء رأس عيسى في محافظة الحديدة.
وفي جنوب لبنان، كشفت القوات البرية الإسرائيلية عن أدلة جديدة توثق العسكرة الواسعة للبنية التحتية المدنية التي ينفذها النظام عبر ذراعه الإقليمية الرئيسية، «حزب الله». وخلال عمليات دقيقة، عثرت وحدات من جيش الدفاع الإسرائيلي على مخابئ ضخمة لأسلحة حزب الله، من بينها ذخائر متسكعة متفجرة وعتاد قتالي تكتيكي، كانت مخبأة داخل مساكن مدنية. وتأكيداً على الاستغلال الممنهج للمنشآت المدنية من قِبل هذا التنظيم الإرهابي، عثر الجنود الإسرائيليون على طائرات مسيرة قتالية وذخائر مخزنة مباشرة داخل غرفة نوم للأطفال ترفع شارات «حزب الله»، ما يبرز بوضوح استراتيجية طهران الراسخة في عسكرة المساحات المدنية لاستخدامها ضد الدولة اليهودية.